تخطى للمحتوى الرئيسي
لماذا يفوز الشعبويون: وكيفية التغلب عليهم

حين يتحول الغضب إلى سلطة: قراءة في كتاب "لماذا ينتصر الشعبويون… وكيف يمكن هزيمتهم؟"

8 مايو 2026

حين يتحول الغضب إلى سلطة:

قراءة في كتاب "لماذا ينتصر الشعبويون… وكيف يمكن هزيمتهم؟"

Why Populists are Winning: and How to Beat Them
Why Populists are Winning: and How to Beat Them

في عام 2024، شهد العالم ما يُعد أكبر موجة انتخابية في التاريخ، حيث شارك نحو ملياري ناخب في انتخابات محلية وبرلمانية ورئاسية في عشرات الدول. وكان أبرز ما خرجت به هذه الانتخابات هو صعود غير مسبوق لقوى شعبوية: عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ارتفاع مارين لوبان إلى قلب المشهد الفرنسي، وصعود حزب "ريفورم" في بريطانيا باعتباره أكبر حزب يمين متطرف في تاريخها الحديث. هذه الأحداث ليست مصادفة، بل هي ذروة لظاهرة تتفاقم منذ سنوات، تُسمى اليوم "عصر الشعبوية"، وقد تُعدّ مَرّة واحدة من أكثر اللحظات إثارةً في بناء أو تآكل الديمقراطيات الغربية.

زمن الشعبوية… وقواعد جديدة للسياسة

لم يعد صعود الشعبوية يُقرأ فقط كموجة غضب انتقالي أمام أزمات اقتصادية أو ثقافية، بل كتحوّل عميق في بنية النظام السياسي العالمي. فالشعبوية لم تعد مجرد خطاب هامشي، بل أصبحت نظامًا سياسيًا موازيًا يعيد تشكيل الديمقراطيات الحديثة من الداخل، عبر تغيير معادلة العلاقة بين النخبة والشعب، وبين المؤسسات والشارع. في هذا السياق يستحق كتاب "لماذا ينتصر الشعبويون… وكيف يمكن هزيمتهم؟ للمفكر والسياسي البريطاني ليام بيرن أن يُنظر إليه كمحاولة جادة لفك شيفرة هذه الظاهرة، لا كوصف إعلامي لأحداث يومية، بل كتحليل ممنهج لنظام سياسي كامل له أدواته وقواعد اشتغاله. الكتاب يطرح سؤالًا جوهريًا: هل انتصار الشعبويين حتمي بفعل " laws" التاريخية، أم أن هناك مساحة للمناورة واستعادة التوازن الديمقراطي؟ من هنا يخرج بيرن عن إطار "النعي" المبكر للديمقراطية، ليقدم تشخيصًا يحاول أن يفهم كيف تحول الغضب إلى رأس مال سياسي فعّال، يُستخدم لتنظيم كتلة انتخابية، وبناء خطاب جماهيري، وفرض تغيير في السياسات العامة.

من داخل النظام: مؤلف من قلب السياسة

ما يميز هذا الكتاب أنه ينبع من تجربة عملية لا من برج أكاديمي نظري. ليام بيرن، الوزير السابق في حكومة حزب العمال البريطاني، لم يكتب من بعيد عن السلطة، بل من داخل قلب تجربة انتخابية وسياسية حيّة، شهِدَ فيها تراجع أحزاب الوسط التقليدية وصعود الخطابات الشعبوية. هذا التواجد في قلب اللعبة يمنح تحليله طابعًا عمليًا: فهو يعتمد على بيانات ميدانية، واستطلاعات رأي، ومقابلات مع ناخبين، إلى جانب تحليل الخطاب السياسي والإعلامي في أوروبا والولايات المتحدة. النتيجة نص يجمع بين النظرية والتشخيص الواقعي، ويُعدّ محاولة لفهم كيف تستغل حركات الشعبوية الرخوة في الخطاب السياسي التقليدي، والانفصال المتزايد بين النخبة والقاعدة، لبناء "نظام شعبي" بديل يُعدّ نفسه الممثل الوحيد للشعب ضد "النخبة الفاسدة".

لحظة التحول: عام 2024 والانفجار الشعبوي

يضع بيرن نقطة البداية التحليلية عند عام 2024، الذي يصفه بـ"عام الانفجار الشعبوي"، حيث تجسّدت تجليات هذه الظاهرة على شكل أغلبيات انتخابية واسعة في دول مختلفة. هذا العام، بحسب الكتاب، لم يكن لحظة "أول مرة"، بل قمة تراكم طويل من أزمات اقتصادية، وثقافية، وهوياتية، فشلت الأحزاب التقليدية في ترجمتها إلى سرديات تعيد بناء الثقة بالدولة. الشعبويون، في هذا الإطار، لم ينشئوا الأزمات، بل استثمروها بذكاء. فبدلًا من تفكيكها المعقد، حوّلوها إلى سردية واحدة بسيطة ومالئة: "الشعب ضد النخبة". بهذه اللغة، تُختزل المسائل في ثنائية معارضة بين "الصالحين" (الشعب) و"الأشرار" (النخبة)، ويتراجع موضوع التفاوت الاقتصادي أو التحديات التكنولوجية إلى خلفية، بينما يبرز الصراع على الهوية والسلطة.

القبائل الشعبوية: من هم ناخبو الغضب؟

أحد أبرز المساهمات التحليلية في الكتاب هو تفككه لما يسميه "القبائل الشعبوية"، أي الفئات الاجتماعية التي تشكّل القاعدة الانتخابية للحركات الشعبوية. لا يتعامل بيرن مع الناخبين ككتلة واحدة، بل يكشف عن تنوع دوافعهم وانتماءاتهم، ليظهر أن الشعبوية لا تعتمد على "الطبقة العاملة المهمشة" فحسب، بل تجذب قطاعات متعددة. هناك مهمَّشون اقتصاديًا شعروا بخيبة من "النظام" الذي لم يُعدْهم بالفرص، وهناك قلقون ثقافيًا يرون في التغيرات الاجتماعية (الهجرة، المساواة الجندرية، الانفتاح على الآخر) تهديدًا لهُويتهم. وهناك أيضًا شباب ينجذبون عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى الخطابات الحادة، إضافة إلى نُخب اقتصادية تدعم هذه الحركات لحماية مصالحها أو تعزيز نفوذها. هذا التراكب يُفسر صعوبة مواجهة الشعبوية بخطاب واحد، لأنها لا تُصوَّر كـ"صراع طبقي" بسيط، بل كـ"صراع هوية وسيطرة".

لغة بسيطة… وتأثير عميق

يخصص بيرن فصلًا مهمًا للغة التي يستخدمها الشعبويون، والتي يعتبرها أحد أبرز أسباب نجاحهم. في حين تميل النخب السياسية إلى لغة معقدة، ملؤها المصطلحات التقنية والخطابات الإدارية، يعتمد الشعبويون على خطاب مباشر، عاطفي، وسهل الفهم. فهم لا يقدّمون "حزمة سياسات مفصلة"، بل يقدّمون "إحساسًا بالفهم"، و"شعورًا بالانتماء". الشعبوي لا يقول فقط "هناك مشكلة"، بل يقول "أنا أشعر بما تشعر به"، وهذه البساطة هي مفتاح التأثير. فالناخب الغاضب لا يطلب بالضرورة حلولاً معقدة، بل يريد تأكيدًا على أن شعوره بالظلم حقيقي، وأن هناك من "يمثله" ضد "النظام". وبهذا، تتحول السياسة من سوق أفكار إلى ساحة مشاعر، يحكمها الشعور بالاتهام والانتماء قبل الحجة المنطقية.

الخوف والحنين: وقود الخطاب الشعبوي

يركز بيرن على عنصرين مركزيين في الخطاب الشعبوي: الخوف والحنين. فالخوف من المستقبل، من الهجرة، من التغيرات السريعة، ومن فقدان الهوية، يُغذّى بسرديات تصنع "عدوًا" دائمًا: المهاجر، النخبة، أو "العالم الخارجي". في المقابل، يُقدَّم الماضي على أنه عصر أكثر استقرارًا وعدالة، تتسم فيه المجتمعات بـ"الهوية الواضحة" و"القيم الثابتة". هذه الثنائية تخلق حالة نفسية تُعدّ الناخب أكثر قابلية لتبني حلول جذرية، حتى لو كانت غير واقعية. فالشعبوية لا تعتمد فقط على المنطق، بل على زعزعة التوازن العاطفي، وتسويق فكرة أن "الوقت الضيق" يتطلب "قيادة قوية" و"قرارات حاسمة". وهكذا يتحول الغضب إلى تبرير للسلطة، وليست مجرد رد فعل على سياسات معينة.

صورة
لا يمكن فهم صعود الشعبوية دون تناول دور الإعلام، وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي والخوارزميات الرقمية. يوضح بيرن كيف أصبحت هذه الخوارزميات محركًا لاقتصاد "الانتباه"، حيث يُعطي الأفضلية للمحتوى الذي يثير الانفعال، ويضخم الأخبار المثيرة والشائعات على حساب الخبر المتوازن. الشعبويون، بحسب الكتاب، يتقنون هذا الاقتصاد، ويُحوّلونه إلى أداة لصناعة الغضب اليومي وإعادة تدويره عبر فيديوهات، ولعات، وسرديات بسيطة. وهكذا تتوسع دائرة "الغضب المعتمد" ليصبح مادة دائمة للتعبئة، لا انتفاضة مؤقتة. وبالتالي، تصبح المعركة سياسيًا وإعلامية وتقنية في آن واحد، لأن الخطاب الآن يُصنَّع أيضًا في خوادم الخوارزميات.

تناقضات الشعبوية: من يمثل "الشعب"؟

من نقاط القوة في الكتاب هو كشفه للتناقضات الداخلية في الحركات الشعبوية. فرغم ادعاء أنها "صوت الشعب ضد النخبة"، غالبًا ما تُموَّل وتُدار من قبل نخب اقتصادية، وتُستخدم لخدمة مصالح قطاعات محددة. كما أن شعار "الحرية" غالبًا ما يُوظَّف لقمع المعارضين وتقنين الرقابة والسيطرة على المؤسسات القضائية والإعلامية. هذه التناقضات لا تُفقِد الشعبوية شعبيتها، لكنها تفتح الباب أمام نقدها وتحليلها. فعندما يُظهر بيرن أن كثيرًا من قادة الشعبوية أنفسهم ينتمون إلى النخبة التي يدّعون معارضتها، يُقدّم لقراءه "مفتاح" لفهم أن "الشعبوية" ليست حركة شعبية بحتة، بل مشروع سلطة سياسي مبني على رموز، لا على برنامج اقتصادي أو اجتماعي مقنع. يدعو الكتاب إلى سياسات اقتصادية أكثر عدالة، وخطاب سياسي أكثر وضوحًا، وتفكيك للفجوة بين الوعد والواقع، إضافة إلى إعلام أكثر استقلالية واحترافية. كما يشدد على أهمية الاستعداد للأزمات الكبرى (اقتصادية، اجتماعية، أو أمنية)، لأنها اللحظات التي تستغلها الشعبوية لإعادة التعبئة. في الوقت نفسه، يحذر من أن هذه الخطوات وحدها لا تُفلِش الشعبوية، لأنها حركة عالمية ومتغذّية على أزمات متجذرة، لكنها قد تُقلّل من قدرتها على الوصول إلى السلطة، وتمنح النخب السياسية وقتًا لابتكار بديل مُقنِع.

الشعبوية خارج الغرب: نمط مرن يعيد إنتاج نفسه

إذا كان الكتاب ينطلق من التجربة الغربية، فإن أهم ما يمكن استخلاصه أنه لا يمكن حصر الشعبوية في أوروبا أو الولايات المتحدة. فالظاهرة أظهرت قدرة عالية على إعادة تشكيل نفسها في سياقات مختلفة، من أمريكا اللاتينية إلى آسيا، ومن الشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية. في الشرق الأوسط، غالبًا ما تندمج الشعبوية مع خطابات دينية وقومية، حيث يُقدَّم "استعادة الأمة" أو "حماية الهوية" كمواجهة "للآخر" الغربي أو "للنخب المحلية" الفاسدة. وفي أمريكا اللاتينية، ترتبط الشعبوية بالعدالة الاجتماعية والزعماء الكاريزميّين، لكنها في الوقت نفسه تُضعف المؤسسات وتُركّز السلطة في شخص القائد. أما في آسيا، فغالبًا ما تُطرح في سياق "الإنجاز والنهضة الوطنية"، حيث يُستخدم النمو الاقتصادي لإضفاء شرعية على خطابات أكثر تشدّدًا وتأطيرًا للأمن القومي. القاسم المشترك بين هذه النماذج هو القدرة على تحويل الأزمات إلى سرديات بسيطة: "الشعب ضد النخبة"، أو "الأمة ضد المؤامرة".

خاتمة: معركة على معنى الديمقراطية

في النهاية، يطرح كتاب "لماذا ينتصر الشعبويون… وكيف يمكن هزيمتهم؟" سؤالًا أعمق من مجرد صعود أو سقوط تيار سياسي: ما هو مستقبل الديمقراطية نفسها؟ هل ستبقى نظامًا للتوافق والتناوب، أم ستتحول إلى ساحة صراع بين سرديات متناقضة، يُحاول كل منها تجسيد "الشعب" كما يُعدّه؟ الكتاب بذلك يتجاوز التحليل السياسي التقليدي ليصبح محاولة لفهم لحظة تاريخية يعيشها العالم، حيث يمتزج الغضب مع الأمل، والخوف مع الطموح، والسياسة مع التكنولوجيا. وفي هذا التداخل، تُعاد تشكيل معاني الديمقراطية، ويتوقف مستقبلها على قدرة النخب السياسية على فهم الغضب، وتحويله إلى مشروع إصلاحية، لا إلى مشروع سلطة.

شارك المقالة على...

FacebookXLinkedInWhatsAppTelegram

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!