تخطى للمحتوى الرئيسي
حين يلتقي الفقير الغاضب بحكيم البلاط ويتبادلان أسئلة تحرق الأصابع.. الرجلان اللذان تجادلا ألف عام وما زال الجدل قائماً  "الهوامل والشوامل" للتوحيدي ومسكويه

حين يلتقي الفقير الغاضب بحكيم البلاط ويتبادلان أسئلة تحرق الأصابع.. الرجلان اللذان تجادلا ألف عام وما زال الجدل قائماً "الهوامل والشوامل" للتوحيدي ومسكويه

7 يونيو 2026

حين يلتقي الفقير الغاضب بحكيم البلاط ويتبادلان أسئلة تحرق الأصابع.. الرجلان اللذان تجادلا ألف عام وما زال الجدل قائما "الهوامل والشوامل" للتوحيدي ومسكويه

البداية بغداد. القرن العاشر الميلادي.

رجل فقير يعمل في نسخ الكتب ليأكل. اسمه أبو حيان التوحيدي. لم يُثرِه عمله. لكنه قرأ كل ما نسخ. وصار يحمل في رأسه أسئلة تُؤرقه أكثر مما يُريح. يكتب رسالة إلى رجل آخر. اسمه أبو علي مسكويه. حكيم البلاط البويهي. يعمل طبيباً للأمراء وكاتباً لوزرائهم. يملك مكتبة. ويأكل جيداً. يسأله التوحيدي أسئلة. والأسئلة تحرق. "كيف نطلب الفضيلة في مجتمع يُقدّس الغنى ويحتقر الفقر؟" "هل يمكن للفيلسوف أن يكون صادقاً وهو يعيش في كنف السلطان؟" "لماذا يتحدث الحكماء عن العدل وهم يأكلون من موائد الظالمين؟" هذه الأسئلة وغيرها تُشكّل "الهوامل" أي الأسئلة المُقلِقة. والأجوبة التي يُعيدها مسكويه تُشكّل "الشوامل" أي الإجابات الشاملة. ومن هذا التبادل وُلد كتاب يُقرأ بعد ألف ومئة سنة.

الرجلان: تناقض كامل في كل شيء

التوحيدي وُلد عام 922 ميلادي في بغداد. أبوه مات مبكراً. عمه رباه بقسوة. فقر وإهانات واغتراب. امتهن الوراقة لأن لا شيء آخر. وكان يكتب وهو يشعر بمرارة كل إنسان رأى العالم من الهامش.

وصف نفسه في إحدى كتاباته بأنه "كلب الفلسفة." ليس تواضعاً. بل سخرية قاسية من وضعه. فيلسوف لا يأكل جيداً في مجتمع يُكرّم التجار والأمراء. مسكويه وُلد نحو عام 932 ميلادي في الري بإيران. بيئة أفضل. مسار مختلف تماماً. عمل في بلاط البويهيين. طبيب للأمراء. كاتب للوزراء. وصل إلى خزائن كتب الدولة. وقرأ ما يُريد وأكل ما يُريد. لكن كلاهما كان يُفكّر. وكلاهما كان يعرف أن شيئاً ما خاطئ في عصرهما. فقط كان كل منهما يرى الخطأ من زاوية مختلفة.

الهوامل: أسئلة التوحيدي التي لا تهدأ

أسئلة التوحيدي ليست أكاديمية. هي صرخات إنسان يعيش ما يسأل عنه. حين يسأل عن الفضيلة في مجتمع فاسد فهو يسأل وهو يرى الوزراء يُبذّرون ما جمعوه من الناس ثم يُحاضرون عن الأخلاق. وحين يسأل عن إمكانية صدق الفيلسوف مع السلطة فهو يسأل وهو يعرف من يُكرَم من الحكماء ومن يُهمَل. أسلوبه حاد. يخلط بين الفلسفة والشعر والسخرية اللاذعة. لغته تُشبه سكيناً لا قلماً. وهذا الأسلوب لم يأتِ من الغرور. جاء من الجرح. رجل رأى التناقض بعينيه بين ما يُقال في المجالس وما يُفعل في القصور. وبين المثالية التي يتغنى بها الفلاسفة والواقع الذي يعيشون فيه بلا خجل.

الشوامل: أجوبة مسكويه التي تُهدئ ولا تُقنع

مسكويه يُجيب. لكن إجاباته تختلف روحاً كما تختلف ظروفه عن ظروف التوحيدي. يقول إن الفضيلة ليست شيئاً تنتظره من الحاكم أو تجده في المثال المُعلّق في السماء. الفضيلة عادة يومية. تُغرسها في نفسك تدريجياً كما تُغرس البذرة. والإنسان قادر على أن يكون فاضلاً حتى في ظل حاكم جائر إذا أحكم تهذيب نفسه.

ويقول إن العقل والنقل ليسا خصمين. الوحي يُضيء والعقل يُوجّه. ومن يضع الاثنين في مواجهة فقد أخطأ في السؤال.

صورة
ويدعو الفيلسوف لا إلى الهرب من السلطة بل إلى تهذيبها من الداخل. أن تكون قريباً من القرار أفضل من أن تصرخ من بعيد. لكن التوحيدي لا يُقتنع. يرد في موضع آخر بما معناه: "الفيلسوف الذي يهذّب السلطان يجلس على مائدته ويأكل خبزه وفي نهاية اليوم يخدم السلطان لا الحقيقة".

بغداد في القرن الرابع الهجري: العقل في ظل الانهيار

لفهم الكتاب لا بد من فهم الوقت الذي كُتب فيه. الخلافة العباسية في ذلك الوقت كانت تُشبه مبنى ضخماً يتصدع من الداخل. الخليفة موجود لكن لا سلطة له. البويهيون الشيعة القادمون من إيران دخلوا بغداد ويُديرون الأمور الفعلية وأبقوا الخليفة السني كواجهة رمزية. وفي هذا الجو المفكك كانت الحياة الثقافية في أوجها. كأن انهيار السياسة أطلق طاقة الفكر. مكتبات ضخمة. وزراء يُمولون الحكماء. مجالس ليلية لمناقشة أرسطو وأفلاطون والفارابي. لكن التوحيدي كان يرى التناقض الفاضح. تُناقش الحرية في قصر مبني بأموال الضرائب على الفقراء. ويتكلم الفلاسفة عن العدالة وخارج الجدران الناس جائعون. هذا التوتر هو الذي يتنفس منه الكتاب.

الصراع الحقيقي في الكتاب: هل التغيير يبدأ بالفرد أم بالنظام؟

خلف كل الأسئلة والأجوبة يكمن خلاف جوهري واحد بين الرجلين. التوحيدي يرى أن إصلاح الفرد في ظل نظام فاسد وهم. لأن النظام يُنتج الأفراد الذين يخدمه. وحتى الفيلسوف الطيب حين يجلس على مائدة السلطان يصبح جزءاً من المنظومة شاء أم أبى. مسكويه يرى العكس. التغيير يبدأ بتهذيب النفس. الإنسان الذي أصلح نفسه يُؤثّر في محيطه. والمحيط يُؤثّر في المجتمع. والتراكم هو الطريق. هذا الجدل لم ينتهِ بين الرجلين. ولم ينتهِ بين البشر بشكل عام. لأنه جدل بين منطقين لكل منهما صحة وكل منهما ثغرة.

مسكويه والتوحيدي: تشابه مدهش في وجه الاختلاف

رغم كل الاختلاف بين الرجلين، يلتقيان في شيء واحد لا يكذّباه. الإنسان هو اللغز المركزي. كلاهما يرى أن فهم الإنسان هو مفتاح كل شيء. وكلاهما يعجز عن حل هذا اللغز حلاً مُرضياً. التوحيدي يصف الإنسان كمتناقض متشعّب لا يُفهم. ينادي بالعدل ويمارس الظلم. يُبجّل الحقيقة ويتجنبها. ويُحبّ الحرية ويبني قيوده بنفسه. ومسكويه يُؤمن أن هذا التناقض يمكن تهذيبه. أن الإنسان قادر على الارتقاء إذا أحسن تعليم نفسه. وبين هذا الإيمان وذاك الشك يجري النهر كله.

ما لم يقله الرجلان صراحةً والأشد دلالةً مما قالاه

الكتاب يحمل رسائل لم تُصرَّح بها. الأول هو أن كليهما كان يعرف أن الفلسفة التي يتحدثان عنها هي ترف النخبة. التوحيدي نفسه وهو يصرخ عن حقوق الفقراء كان يكتب رسائل للوزراء يطلب فيها عطاياهم. وهذا ليس نفاقاً بالضرورة. هو الانفصام الذي يعيشه كل مثقف محتاج في مجتمع يُكرّم المال لا الفكر. الثاني هو الخوف من التصريح بما يُفكّران فيه. الكتاب يتجنب الخوض في قضايا الجبر والاختيار والعدل الإلهي بشكل مباشر. ليس لأن الرجلين لا يُفكّران فيها. بل لأن التصريح بها في ذلك الوقت كان يُعرّض صاحبه للاتهام بالزندقة. الثالث هو أن الكتاب وثيقة حقيقية عن أزمة المثقف حين يعيش في ظل سلطة لا تُشاركه قيمه ولا تُقدّر ما يُنتج. وهذه الأزمة لم تنتهِ.

الرجل الذي أحرق كتبه

من أكثر ما يُقلق في حياة التوحيدي أنه في شيخوخته أحرق معظم كتبه. قال إنه يئس. لا من الفلسفة وحدها. من العصر ومن الناس ومن إمكانية أن يُسمع. الكتب التي نجت نجت لأن نُسخ منها انتشرت قبل أن ترتفع النيران. ومنها "الهوامل والشوامل." والإحراق ليس مجنوناً. هو قرار رجل رأى عمره يُصرف في كتابة لم تُغيّر شيئاً. حكام ظلوا ظالمين. وفلاسفة ظلوا يأكلون على موائدهم. وشعب لم يقرأ أسئلته أصلاً. لكن النيران لم تُكمل المهمة. وبقيت الأسئلة.

الخاتمة: ألف سنة والأسئلة نفسها

التوحيدي مات نحو عام 1023 ميلادي. وعاش فقيراً حتى النهاية. مسكويه مات نحو عام 1030 ميلادي. وعاش في استقرار نسبي. والكتاب الذي بينهما لا يزال يُقرأ.

لأن الأسئلة التي طرحها التوحيدي هي أسئلة كل عصر. كيف تكون صادقاً في نظام يُكافئ المداهنة؟ وهل الفضيلة ممكنة في مجتمع لا يُقدّرها؟ وماذا يبقى من الفلسفة حين تصبح أداةً لتبرير السلطة؟

ومسكويه يُجيب من بعيد: ابدأ بنفسك. وراكم. وتحمّل. والتوحيدي يُعقّب من أبعد: هذا ما يقوله من يأكل جيداً. والجدل مستمر.

●● "التوحيدي يرى أن الفيلسوف الذي يعمل في خدمة السلطان يفقد صدقه مهما حاول، بينما مسكويه يرى أن التأثير من الداخل أجدى من الصراخ من الخارج. فأيهما أصدق في تشخيص العلاقة بين المثقف والسلطة: من يرفض الانخراط حفاظاً على نقائه، أم من يتنازل عن بعض النقاء طمعاً في التأثير الفعلي؟ وهل الاختيار بين الاثنين حقيقي أم وهمي؟" والى روايات وكتب أخرى قريبا ان شاء الله

**الكاتب الروائى خالد حســــــين**

شارك المقالة على...

FacebookXLinkedInWhatsAppTelegram

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!