تخطى للمحتوى الرئيسي
نظرية العلمانية الشاملة في مقابل العلمانية الجزئية عند عبد الوهاب المسيري

نظرية العلمانية الشاملة في مقابل العلمانية الجزئية عند عبد الوهاب المسيري

7 يونيو 2026

نظرية العلمانية الشاملة في مقابل العلمانية الجزئية عند عبد الوهاب المسيري

يعاني مصطلح "العلمانية" في الفكر العربي من اضطراب مفاهيمي بالغ، بدءاً من تأثيله اللغوي (عِلمانية نسبة للعِلم أم عَلمانية نسبة للعالَم)، وصولاً إلى حمولته الفلسفية. وفي خضم السجالات الحادة حول توافق العلمانية مع المجتمعات الشرقية أو تصادمها معها، برز المفكر عبد الوهاب المسيري ليقدم تفكيكاً إبستمولوجياً (معرفياً) نقدياً تجاوز به ثنائية الرفض المطلق أو القبول الأعمى، مؤسساً لنظرية فارقة تميز بين "العلمانية الجزئية" و"العلمانية الشاملة".

الخروج من فخ الدرجة إلى جوهر النوع

لاحظ المسيري أن الجدل العربي طالما دار حول العلمانية "المعتدلة" والعلمانية "المتطرفة". لكنه رفض هذا التقسيم القائم على "الدرجة"، ونقل الاشتباك إلى مستوى "النوع" والحدود المعرفية. فالعلمانية الجزئية لا تختلف عن الشاملة في مقدار التطبيق، بل هما منظومتان متقابلتان معرفياً. الأولى تقف عند حدود الإجراء الوظيفي، بينما الثانية تتمدد لتصبح بديلاً أنطولوجياً (وجودياً) للدين، وهو ما يسميه المسيري بالأديان البديلة.

العلمانية الجزئية: الإجراء المؤسسي

تتحدد العلمانية الجزئية في أطروحة المسيري باعتبارها فصلاً للمؤسسات الدينية (الكنيسة) عن مؤسسات الدولة، مع بقاء حرية تلك المؤسسات في ممارسة أنشطتها. هذا النوع من العلمانية لا يتدخل في الرؤية الكونية للإنسان، ولا يفرض رؤية مادية للوجود، بل يكتفي بتنظيم الشأن السياسي والإداري ضمن حدود وظيفية ضيقة، تاركاً مساحة واسعة للقيم المطلقة والأخلاق الدينية لتوجيه بوصلة المجتمع.

العلمانية الشاملة: الرؤية المعرفية الإمبريالية

في المقابل، يرى المسيري أن العلمانية الشاملة (التي تنضوي تحتها العلمانية المتطرفة) تمثل "نموذجاً معرفياً غربياً" يحمل طبيعة إمبريالية كامنة. فهذه العلمانية لا تكتفي بفصل الدين عن الدولة، بل تسعى لعزل القيم المطلقة (الأخلاقية والمعرفية) عن كافة مجالات الحياة (الاقتصاد، الفن، الأدب، السلوك). إنها رؤية مادية تنزع القداسة عن الإنسان والطبيعة، وتدعو إلى تسخيرهما وإخضاعهما لمعيار واحد فقط هو "القوة" والمنفعة. وفقاً للمسيري، هذا النموذج يؤدي إلى "دنيوة العالم"، حيث يتحول هذا الإجراء إلى أيديولوجيا شرسة تتطابق مع الإمبريالية، وتقوم بنقل منظومتها بالقوة من الغرب إلى بقية العالم.

نقد عزيز العظمة لمنظور المسيري

في مقابل هذه الأطروحة، يقدم المفكر عزيز العظمة مقاربة مناقضة ترفض تحويل العلمانية إلى "رؤية مطلقة للكون". يرى العظمة أن العلمانية مسألة بالغة التعقيد لا يمكن تأطيرها في "نموذج معرفي" جاهز، بل هي "سلسلة متراكبة" من العمليات الاجتماعية والسياسية والتاريخية. وينتقد العظمة بشدة محاولة المسيري تصوير العلمانية كأداة إمبريالية، مؤكداً أن العلمانية هي نتاج تحولات عالمية عابرة للثقافات في سياق ترتيب علاقة الدين بالمجال العام، رافضاً اعتبارها "أيديولوجيا مبتسرة" يمكن الحكم عليها من خلال تفضيلات شخصية أو هواجس دينية.

لم تكن نظرية عبد الوهاب المسيري مجرد تصنيف أكاديمي، بل كانت أداة دفاعية إبستمولوجية لحماية "الإنسان" من التشيؤ والاستهلاك الذي تفرضه الرؤية المادية للحداثة. لقد استطاع من خلال تفريقه بين ما هو "إجراء سياسي" (جزئي) وما هو "رؤية للكون" (شامل) أن يقدم مخرجاً للمثقف العربي لرفض تغول المادة، دون الاضطرار لرفض التحديث الإداري والمؤسسي.

شارك المقالة على...

FacebookXLinkedInWhatsAppTelegram

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!