تخطى للمحتوى الرئيسي
خمس دقائق بعد ساعة الصفر: سلافوي جيجك يقرع أجراس الخطر في زمن الانهيارات الكبرى

خمس دقائق بعد ساعة الصفر: سلافوي جيجك يقرع أجراس الخطر في زمن الانهيارات الكبرى

7 يونيو 2026

صرخة في وجه العدم: سلافوي جيجك يفكك شيفرة الانهيار العالمي في كتابه الأحدث

في وقت يترنح فيه العالم على حافة هاوية سحيقة، وتتداخل فيه الأزمات الوجودية من حروب نووية محتملة وانهيارات بيئية متسارعة، يطل علينا الفيلسوف السلوفيني المشاكس سلافوي جيجك بعمل فكري جديد يحمل عنواناً صادماً ومثيراً للتأمل وهو بعد فوات الأوان للاستيقاظ.. ماذا ينتظرنا عندما لا يكون هناك مستقبل، والصادر عن دار نشر سيفن ستوريز بريس، حيث يقدم فيه جيجك ما يمكن وصفه بأنه أكثر كتبه إلحاحاً ووضوحاً حتى الآن، محاولاً تشريح الواقع الجيوسياسي المرير الذي نعيشه، ومنتقداً بعمق عجز القوى السياسية التقليدية عن تقديم بدائل حقيقية تنقذ البشرية من مصيرها المحتوم، إذ يطرح الفيلسوف الذي يوصف غالباً بأنه أخطر فيلسوف في الغرب رؤية مغايرة تماماً، تدعونا إلى تبني فرضية انتحارية في ظاهرها ومنقذة في جوهرها، وهي أن الكارثة لم تعد احتمالاً مستقبلياً بل هي واقع قد حدث بالفعل، وأننا نعيش الآن في الدقائق الخمس التي تلي ساعة الصفر، ومن هذا المنطلق يبدأ جيجك رحلته الفلسفية لاستكشاف سبل الخلاص عبر مواجهة الحقيقة دون أقنعة أو أوهام.

يستهل جيجك أطروحته برصد التناقض الصارخ في السلوك البشري تجاه الأزمات الكبرى، فنحن نسمع يومياً تحذيرات من اقتراب نهاية العالم، ونشاهد بأعيننا الغزو الروسي لأوكرانيا وما صاحبه من تلويح بالسلاح النووي، ونلمس آثار التغير المناخي والاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية التي تجتاح القارات، ومع ذلك يظل رد الفعل العالمي باهتاً أو يدور في فلك الإجراءات التجميلية التي لا تمس جوهر المشكلة، وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي يحاول الكتاب الإجابة عنه، وهو لماذا نعجز عن التحرك رغم علمنا اليقيني بأننا نسير نحو التدمير الذاتي، حيث يرى جيجك أن المشكلة تكمن في الطريقة التي نتصور بها المستقبل، فنحن نتعامل مع الكارثة كحدث سيقع في زمن آتٍ، مما يمنحنا شعوراً زائفاً بالأمان وبأن هناك متسعاً من الوقت للمناورة أو الإصلاح التدريجي، لكنه يقلب هذه الطاولة الفكرية رأساً على عقب، مطالباً إيانا بأن نعتبر الانهيار قد وقع فعلاً، لأن هذا القبول النفسي والذهني بالواقع المرير هو الوحيد الكفيل بتحريرنا من قيود الأمل الزائف، ودفعنا نحو اتخاذ خطوات راديكالية لا تقبل التأجيل أو المساومة.

الاستيقاظ من حلم اليقظة ومواجهة الحقيقة المرة

في هذا القسم من التقرير، يتعمق جيجك في تحليل مفهوم الاستيقاظ مستخدماً أدوات التحليل النفسي الكلاسيكية، حيث يستحضر قصة رمزية فسرها سيجموند فرويد وأعاد جاك لاكان قراءتها، وتدور حول أب يحلم بابنه المتوفى وهو يقول له يا أبي ألا ترى أنني أحترق، ليستيقظ الأب ويجد أن شمعة قد سقطت بالفعل على جثمان ابنه، وفي حين رأى فرويد أن الحلم كان محاولة لإطالة أمد النوم، يذهب لاكان وجيجك إلى أن الأب استيقظ هرباً من الحقيقة المؤلمة في الحلم، أي أنه استيقظ ليستمر في الحلم والهروب من مواجهة شعوره بالذنب والمسؤولية تجاه موت ابنه، وهذه الاستعارة هي حجر الزاوية في فهم عنوان الكتاب، فالبشرية اليوم بحسب جيجك تستيقظ صورياً عبر إصدار البيانات والتظاهرات والوعود السياسية، لكن هذا الاستيقاظ هو في الحقيقة وسيلة للاستمرار في النوم وتجنب التغييرات الجذرية المطلوبة لمواجهة التغير المناخي أو الفقر أو الحروب، فنحن نفضل الاستيقاظ إلى واقعنا اليومي الرتيب لنتجنب مواجهة الحقيقة المرة الكامنة في أعماق أزماتنا، ومن هنا يأتي التحذير بأن الوقت قد فات للاستيقاظ بهذا المعنى الهروبي، وأن المطلوب هو نوع آخر من الوعي يتجاوز مجرد الاعتراف السطحي بالمشكلة.

وينتقل الفيلسوف بعد ذلك لتشريح المشهد السياسي المعاصر، موجهاً سهام نقده الحادة لليسار الليبرالي الذي يراه قد فشل في تقديم بديل ثوري حقيقي، واكتفى بلعب دور المراقب الأخلاقي أو المنغمس في سياسات الهوية التي تشتت الجهود عن مواجهة الرأسمالية العالمية، وفي المقابل يحلل صعود اليمين الفاشي الذي نجح في اختطاف الأفكار التقدمية وتطويعها لخدمة أجندات إقصائية وشعبوية، ويرى جيجك أن هذا الاستقطاب الحاد ليس إلا وجهاً لعملة واحدة تعجز عن رؤية المخرج، فالجميع محاصرون داخل منطق الدولة القومية التي يرى هيجل أنها تحمل في طياتها بذور الحرب الدائمة، ويشرح جيجك كيف أن القوى العظمى اليوم تعيد إحياء النزعات القومية والحروب التقليدية كوسيلة للحفاظ على سلطتها المتآكلة أمام الأزمات الكونية، وبدلاً من أن توحد البشرية جهودها لمواجهة خطر الفناء البيئي، نجد الدول تنخرط في صراعات جيوسياسية ضيقة الأفق، مما يجعل الحرب لا تبدو مجرد تجاهل للأزمة المناخية، بل هي رد فعل بائس يحاول الهروب من مواجهة الاستحقاقات الكونية عبر العودة إلى صراعات السيادة والسيطرة القديمة.

ويسترسل التقرير في استعراض رؤية جيجك حول التمييز اللغوي والفلسفي بين مفهومين للمستقبل، ففي اللغة الفرنسية هناك فرق بين المستقبل كاستمرار للحاضر والمستقبل كحدث جديد تماماً يكسر الرتابة، ويرى المؤلف أننا نعيش حالياً في ظل النوع الأول الذي يقودنا حتماً نحو الفناء، بينما الخلاص يكمن في ابتكار المستقبل الثاني الذي يمثل قطيعة مع المسار الحالي، وهذا يتطلب ما يسميه جيجك السياسة التحررية الراديكالية التي لا تخشى من تحطيم الهياكل القائمة، فهو يدعو إلى ثورة فكرية وعملية تعيد تعريف علاقتنا بالبيئة وبالآخر، مؤكداً أن الاستمرار في النهج الحالي تحت مسمى الواقعية السياسية هو قمة الجنون، لأن هذه الواقعية هي التي تقودنا نحو الهاوية، ولذلك فإن الحل يكمن في تبني موقف يبدو غير واقعي في نظر النظام القائم، ولكنه الوحيد الممكن لضمان بقاء الجنس البشري، وهذا الموقف يتطلب شجاعة لمواجهة الماضي وإعادة قراءته، فالتغيير الحقيقي للمستقبل يبدأ من تغيير فهمنا للماضي وتحرير الطاقات الثورية التي تم وأدها أو ترويضها داخل المنظومة الرأسمالية.

صياغة المستقبل عبر إعادة ابتكار الماضي

يخصص جيجك جزءاً كبيراً من كتابه لمناقشة فكرة أن تغيير المستقبل يمر بالضرورة عبر تغيير الماضي، وهي فكرة قد تبدو متناقضة للوهلة الأولى، لكنه يقصد بها إعادة تفسير الأحداث التاريخية والخيارات التي اتخذتها البشرية بحيث نفتح آفاقاً جديدة لم تكن منظورة، فالتاريخ ليس مجرد سرد لأحداث وقعت وانتهت، بل هو خزان من الإمكانيات التي يمكن استعادتها وتفعيلها في الحاضر، ويضرب جيجك أمثلة من الحركات الثورية والانتفاضات الشعبية التي تم استيعابها داخل النظام العالمي وتحويلها إلى مجرد سلع ثقافية أو شعارات جوفاء، مطالباً باستعادة الجوهر الراديكالي لهذه الحركات، كما ينتقد بشدة ما يسميه الأيديولوجية السائدة التي تجعلنا نعتقد أن النظام الحالي هو نهاية التاريخ وأن أي محاولة لتغييره ستؤدي إلى كارثة أكبر، في حين أن الكارثة الكبرى هي البقاء داخل هذا النظام، ومن هنا تبرز أهمية العمل الفلسفي في تفكيك هذه الأوهام وكشف الآليات التي تستخدمها السلطة لإبقاء الناس في حالة من الشلل الفكري والسياسي.

وفي سياق حديثه عن الحرب في أوكرانيا، يرفض جيجك التحليلات التي تحاول إيجاد مبررات معقدة للغزو الروسي، ويرى فيها نوعاً من الهروب من اتخاذ موقف أخلاقي وسياسي واضح، فهو يعتبر أن الدفاع عن أوكرانيا هو في جوهره دفاع عن إمكانية وجود سياسة تحررية في مواجهة النزعات الإمبراطورية الجديدة، ومع ذلك فهو لا يكتفي بالدعم السطحي، بل يربط هذا الصراع بالأزمة العالمية الشاملة، محذراً من أن الانجرار وراء الخطاب القومي المتطرف في أي جانب لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، فالمطلوب هو تضامن عالمي يتجاوز الحدود القومية لمواجهة التهديدات المشتركة، ويشير الكتاب بذكاء إلى أن النخب الحاكمة في العالم تستخدم الحروب والأزمات لتعزيز قبضتها وتوجيه الغضب الشعبي نحو عدو خارجي، بدلاً من توجيهه نحو النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي ينتج هذه الأزمات بصفة مستمرة، وهذا ما يجعل من الضروري الوعي بهذه اللعبة الأيديولوجية ورفض الانصياع لها.

ويختتم جيجك كتابه بنبرة تجمع بين التشاؤم التحليلي والتفاؤل الإرادي، فهو لا يعد القراء بحلول سحرية أو نهايات سعيدة مضمونة، بل يضعهم أمام مسؤولياتهم التاريخية، مؤكداً أن الخيار المتاح حالياً هو إما التحول الجذري أو الفناء التدريجي، ويرى أن الشجاعة الحقيقية لا تكمن في الأمل الواهم بأن الأمور ستتحسن من تلقاء نفسها، بل في القدرة على النظر في وجه العدم والاعتراف بأننا قد فقدنا كل شيء، لأن هذه اللحظة من اليأس المطلق هي التي يمكن أن تولد منها إرادة حقيقية للتغيير، فالإنسان الذي لم يعد لديه ما يخسره هو الوحيد القادر على القيام بفعل ثوري يغير مجرى التاريخ، وهكذا يظل كتاب بعد فوات الأوان للاستيقاظ وثيقة فكرية بالغة الأهمية، تذكرنا بأن الفلسفة ليست ترفاً ذهنياً، بل هي أداة ضرورية للبقاء في عالم يفقد صوابه يوماً بعد يوم، وبأن الوقت وإن كان قد فات للاستيقاظ التقليدي، فإنه لا يزال متاحاً لبناء عالم جديد من تحت أنقاض العالم القديم الذي بدأ ينهار بالفعل فوق رؤوسنا جميعاً.

إن هذه القراءة لا تسعى فقط لعرض محتويات الكتاب، بل تهدف إلى تسليط الضوء على المنهجية الجيجكية في مقاربة الواقع، تلك المنهجية التي تدمج بين السينما والأدب والتحليل النفسي والسياسة لتقديم رؤية شاملة ومعقدة، فالمؤلف لا يتردد في انتقاد حتى أولئك الذين يعتبرون أنفسهم في صفه، محذراً من الركون إلى اليقينيات أو الشعارات الجاهزة، فالمعركة من أجل المستقبل هي في المقام الأول معركة وعي وإدراك للآليات الخفية التي تشكل رغباتنا وتصوراتنا، وإذا كان الكتاب يبدو مظلماً في بعض جوانبه، فإن هذا الظلام هو المرآة التي تعكس واقعنا الحقيقي، والاعتراف بهذا الواقع هو الخطوة الأولى والضرورية نحو أي تغيير منشود، وبذلك يظل سلافوي جيجك صوتاً مزعجاً وضرورياً في آن واحد، يحرضنا على التفكير فيما لا نريد التفكير فيه، ويدفعنا نحو مواجهة مصيرنا بشجاعة تليق بالكائن البشري الذي يرفض الاستسلام لقوى الدمار والعدمية التي تحيط به من كل جانب في هذا العصر المضطرب.

شارك المقالة على...

FacebookXLinkedInWhatsAppTelegram

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!