في سياق التحولات الاجتماعية والسياسية التي يشهدها العالم، ومع تزايد النقاشات حول العدالة الجنائية ودور الشرطة والسجون، يبرز كتاب "الحديث عن الإلغاء: عالم خالٍ من الشرطة ممكن" (Talking About Abolition: A Police-Free World is Possible) للكاتبة الصحفية الحائزة على جوائز، سونالي كولهاتكار.
صدر الكتاب في 14 يناير 2025، ويقدم مجموعة قوية من المقابلات مع أكاديميين ومنظمين وناشطين يقودون الحركة الرامية إلى إنهاء الشرطة والسجون. يقدم هذا العمل رؤية مستقبلية متجذرة في التحرر والحرية والعدالة، مع مقدمة بقلم روبن دي. جي. كيلي.
لطالما تصور المفكرون الإلغائيون مجتمعات خالية من الشرطة لعقود من الزمن، ولكن بعد صدمة الانتفاضات المطالبة بالعدالة العرقية في عام 2020، دخلت أفكارهم الجذرية إلى الخطاب العام. هذه الانتفاضات، التي شهدت مطالبات واسعة بإعادة تقييم دور الشرطة في المجتمعات، دفعت بالعديد من المفاهيم التي كانت تعتبر هامشية إلى صدارة النقاشات العامة. في هذا الكتاب، تقدم كولهاتكار مجموعة ملهمة من محادثاتها مع شخصيات بارزة في الحركة، حيث تتناول أفضل الحجج المضادة لما يُعرف بـ "دعاية الشرطة" (copaganda)، وتكشف عن الإفلاس الأخلاقي للإصلاحية. تربط كل محادثة بين الماضي والحاضر، بينما تتخيل مستقبلاً جماعياً يقوم على التحرر والحرية والعدالة، مما يوفر للقارئ فهماً عميقاً وشاملاً لهذه الحركة المتنامية.
يضم الكتاب مقابلات مع شخصيات مؤثرة مثل أليسيا غارزا، روث ويلسون جيلمور، ليا بينيمان، جينا دينت، كات بروكس، أندريا ريتشي، يونيسيس هيرنانديز، نويل هانراهان، إيفيت أليه-فيرليتو، ميلينا عبد الله، رينا سلطان، وديلان رودريغيز. هذه المجموعة المتنوعة من الأصوات تقدم منظوراً شاملاً وعميقاً لحركة الإلغاء، وتوضح كيف يمكن للمجتمعات أن تعيد تصور السلامة والعدالة بعيداً عن النماذج التقليدية للشرطة والسجون. إن هذه المقابلات لا تقدم فقط تحليلات نظرية، بل تسرد أيضاً تجارب عملية ومبادرات مجتمعية تهدف إلى تحقيق هذه الرؤية.
جذور حركة الإلغاء: رؤى تاريخية وفلسفية وتحديات معاصرة
تعتبر حركة الإلغاء، التي يدور حولها كتاب كولهاتكار، ليست مجرد رد فعل على أحداث معاصرة، بل هي حركة ذات جذور تاريخية وفلسفية عميقة تمتد عبر قرون. يعود الفكر الإلغائي إلى دعوات سابقة لإنهاء العبودية، حيث دعا المفكرون والناشطون إلى تفكيك الأنظمة القمعية التي تستعبد البشر. في سياق الشرطة والسجون، يرى الإلغائيون أن هذه المؤسسات، في شكلها الحالي، هي امتداد لأنظمة السيطرة الاجتماعية التي نشأت من العبودية والاستعمار، وأنها لا تخدم العدالة الحقيقية بل تعمل على إدامة عدم المساواة العرقية والاجتماعية. هذا المنظور التاريخي يوضح أن المطالبة بإلغاء الشرطة والسجون ليست فكرة جديدة، بل هي استمرارية لنضال طويل الأمد ضد الظلم الهيكلي.
يناقش الكتاب كيف أن هذه الأفكار، التي كانت تعتبر هامشية في السابق، أصبحت الآن جزءاً لا يتجزأ من النقاش العام، خاصة بعد الانتفاضات الشعبية التي شهدتها الولايات المتحدة والعالم في عام 2020. هذه الانتفاضات، التي اندلعت احتجاجاً على وحشية الشرطة والعنصرية الممنهجة، كشفت عن فشل الأنظمة الحالية في تحقيق العدالة، وفتحت الباب أمام استكشاف بدائل جذرية. يقدم الكتاب رؤى من أكاديميين مثل روث ويلسون جيلمور، التي تعتبر من أبرز المنظرين في مجال الإلغاء، وتوضح كيف أن الإلغاء ليس مجرد هدم، بل هو بناء لمجتمعات جديدة تقوم على الرعاية المتبادلة والعدالة التصالحية. إن هذا البناء يتطلب إعادة توجيه الموارد والطاقات نحو حلول مجتمعية تعزز السلامة والرفاهية للجميع.
يتعمق الكتاب في الفلسفة الكامنة وراء الإلغاء، موضحاً أنها تتجاوز مجرد إلغاء الشرطة والسجون. إنها دعوة لإعادة تصور المجتمع بأكمله، وإعادة توجيه الموارد بعيداً عن العقاب والسيطرة نحو الاستثمار في الصحة والتعليم والإسكان والخدمات الاجتماعية. يجادل الإلغائيون بأن الجرائم والعنف غالباً ما تكون نتيجة للظروف الاجتماعية والاقتصادية، وأن معالجة هذه الأسباب الجذرية هي الطريقة الأكثر فعالية لتحقيق السلامة المجتمعية. يقدم الكتاب حججاً قوية ضد فكرة أن الشرطة والسجون هي الحل الوحيد أو الأفضل لمشاكل المجتمع، ويدعو إلى استكشاف حلول مبتكرة ومجتمعية تعتمد على الوقاية والدعم بدلاً من القمع والعقاب. إن هذا النهج الشامل يهدف إلى خلق مجتمعات أكثر مرونة وعدلاً، حيث يتم تلبية احتياجات الأفراد والجماعات بشكل فعال.
"دعاية الشرطة" والإفلاس الأخلاقي للإصلاحية: تحليل نقدي
أحد الجوانب الهامة التي يتناولها كتاب "الحديث عن الإلغاء" هو مفهوم "دعاية الشرطة" وكيف تعمل على تشكيل الرأي العام حول دور الشرطة. يشير مصطلح "دعاية الشرطة" إلى الأساليب الدعائية التي تستخدمها الشرطة ووسائل الإعلام لتقديم صورة إيجابية عن الشرطة، وتبرير ممارساتها، وقمع أي انتقادات موجهة إليها. يوضح الكتاب كيف أن هذه الدعاية تتغلغل في الثقافة الشعبية، من خلال البرامج التلفزيونية والأفلام والأخبار، مما يخلق تصوراً مشوهاً لدور الشرطة كقوة خير لا غنى عنها في المجتمع. هذه الدعاية تعمل على ترسيخ فكرة أن الشرطة هي الحل الوحيد للمشاكل الاجتماعية، وتتجاهل الأضرار الجسيمة التي تسببها هذه المؤسسات للمجتمعات المهمشة.
تقدم كولهاتكار في مقابلاتها حججاً مضادة قوية لهذه الدعاية، وتكشف عن التناقضات والأكاذيب التي تقوم عليها. يجادل الكتاب بأن "دعاية الشرطة" تعمل على إخفاء العنف الممنهج والعنصرية المتأصلة في أنظمة الشرطة، وتمنع النقاش الحقيقي حول البدائل الممكنة. من خلال تفكيك هذه الدعاية، يسعى الكتاب إلى تمكين القراء من رؤية الواقع بشكل أكثر وضوحاً، وفهم الأسباب الحقيقية وراء الدعوات إلى الإلغاء. إن هذا التفكيك ضروري لإعادة بناء الثقة في المجتمعات، وتمكين الأفراد من المطالبة بأنظمة عدالة حقيقية.
بالإضافة إلى ذلك، ينتقد الكتاب بشدة "الإصلاحية"، وهي النهج الذي يسعى إلى إصلاح أنظمة الشرطة والسجون بدلاً من إلغائها. يجادل الإلغائيون بأن الإصلاحات، مثل تدريب الشرطة على مكافحة التحيز أو استخدام كاميرات الجسم، لا تعالج الأسباب الجذرية للمشكلة، بل تعمل على إدامة النظام القمعي من خلال إعطائه مظهراً من الشرعية. يصف الكتاب هذا النهج بأنه "إفلاس أخلاقي"، لأنه يفشل في مواجهة الظلم الهيكلي، ويقدم حلولاً سطحية لمشاكل عميقة الجذور. يقدم الكتاب بدلاً من ذلك رؤية للإلغاء كحل جذري وشامل، يتجاوز مجرد التعديلات السطحية، ويسعى إلى إعادة تعريف مفهوم السلامة والعدالة بشكل كامل. إن هذا النقد للإصلاحية يدعو إلى التفكير في حلول أكثر جرأة وتحويلية، بدلاً من الاكتفاء بالتحسينات الهامشية.
لا يكتفي كتاب "الحديث عن الإلغاء" بتحليل المشاكل القائمة، بل يقدم أيضاً رؤى عملية وملهمة حول كيفية بناء مستقبل خالٍ من الشرطة والسجون. من خلال المقابلات مع مجموعة واسعة من الناشطين والمنظمين، يوضح الكتاب أن الإلغاء ليس مجرد حلم طوباوي، بل هو مشروع عملي يمكن تحقيقه من خلال العمل الجماعي والابتكار المجتمعي. هذه الرؤى تستند إلى تجارب حقيقية ومبادرات مجتمعية أثبتت فعاليتها في توفير السلامة والعدالة خارج نطاق الأنظمة التقليدية.
تتضمن المقابلات قصصاً وتجارب من منظمين يقودون مبادرات مجتمعية لبناء بدائل للشرطة والسجون. على سبيل المثال، يناقش الكتاب نماذج للسلامة المجتمعية التي تعتمد على التدخل في الأزمات، والعدالة التصالحية، وبرامج الدعم الاجتماعي، بدلاً من الاعتماد على الشرطة. كما يتناول دور العدالة الغذائية، والميزانيات التشاركية، وغيرها من المبادرات التي تهدف إلى معالجة الأسباب الجذرية للجريمة والعنف، مثل الفقر ونقص الموارد والتمييز. هذه النماذج البديلة تظهر أن هناك طرقاً أخرى للتعامل مع المشاكل الاجتماعية، وأن هذه الطرق يمكن أن تكون أكثر فعالية وإنسانية.
يؤكد الكتاب على أن بناء مستقبل خالٍ من الشرطة والسجون يتطلب إعادة توزيع الموارد، وتمكين المجتمعات، وتطوير أشكال جديدة من العلاقات الاجتماعية التي تقوم على الثقة والتعاون. إنه يدعو إلى توسيع الخيال الجماعي، وتحدي الافتراضات الراسخة حول السلامة والعدالة. من خلال هذه المقابلات، تقدم كولهاتكار للقراء أدوات عملية للتفكير في كيفية المساهمة في هذا المشروع التحويلي، وكيفية بناء مجتمعات أكثر عدلاً وحرية. إن هذا يتطلب التزاماً طويل الأمد بالعمل المجتمعي، والاستثمار في البنية التحتية الاجتماعية التي تدعم الرفاهية الجماعية.
التحرر والحرية والعدالة: رؤية شاملة ومتكاملة
في جوهره، يدعو كتاب "الحديث عن الإلغاء" إلى رؤية شاملة للتحرر والحرية والعدالة. إنه يجادل بأن إلغاء الشرطة والسجون ليس هدفاً في حد ذاته، بل هو جزء من مشروع أوسع لتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية والعرقية. يوضح الكتاب كيف أن أنظمة الشرطة والسجون تتشابك مع أنظمة أخرى من القمع، مثل الرأسمالية العنصرية، وأن تفكيك هذه الأنظمة يتطلب نهجاً متكاملاً يعالج جميع أشكال الظلم. هذا النهج الشامل يرى أن التحرر الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تفكيك جميع الأنظمة القمعية التي تحد من حرية الإنسان وكرامته.
يقدم الكتاب منظوراً متفائلاً، مؤكداً على أن التغيير ممكن، وأن المجتمعات لديها القدرة على إعادة تصور نفسها وبناء أنظمة جديدة للسلامة والعدالة. إنه يلهم القراء للمشاركة في الحركة، وتقديم مساهماتهم الفريدة في بناء عالم أفضل. من خلال ربط النقاط بين الماضي والحاضر، وتخيل مستقبل جماعي متجذر في التحرر والحرية والعدالة، يقدم الكتاب خريطة طريق للعمل التحويلي. هذا العمل لا يقتصر على مجرد الدعوة إلى التغيير، بل يقدم أيضاً أمثلة عملية لكيفية تحقيق هذا التغيير على أرض الواقع، مما يجعله مصدراً قيماً للمنظمين والناشطين والأكاديميين على حد سواء.
الخاتمة
يُعد كتاب "الحديث عن الإلغاء: عالم خالٍ من الشرطة ممكن" لسونالي كولهاتكار عملاً "قوياً" و"ملهماً"، كما وصفته العديد من المراجعات. إنه يقدم تحليلاً عميقاً لحركة الإلغاء، ويكشف عن الأسباب الجذرية وراء الدعوات إلى إنهاء الشرطة والسجون. من خلال المقابلات مع قادة الحركة، يقدم الكتاب رؤى عملية وملهمة حول كيفية بناء مجتمعات أكثر عدلاً وحرية. إن هذا العمل يسهم بشكل كبير في إثراء النقاش حول مستقبل العدالة والسلامة المجتمعية.
إن الكتاب ليس مجرد سرد للحقائق، بل هو دعوة للعمل. فهو يحث القراء على التفكير النقدي في دور الشرطة والسجون، وعلى تحدي "دعاية الشرطة"، وعلى دعم البدائل المجتمعية. في عصر تتزايد فيه الحاجة إلى حلول جذرية للمشاكل الاجتماعية، يقدم هذا الكتاب مساهمة قيمة في النقاش حول العدالة الجنائية، ويوفر خريطة طريق نحو مستقبل أكثر تحرراً وإنصافاً. إنه كتاب لا غنى عنه لأي شخص مهتم بالعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، وبناء عالم أفضل للجميع، ويسعى إلى فهم كيف يمكن للمجتمعات أن تزدهر دون الاعتماد على أنظمة قمعية


