"الحرب النفسية" في العقل الأمريكي..
عندما تصبح القصص أسلحة

الحرب الأمريكية "المُرتدة"
تركز المؤلفة، على الصراعات والنقاشات بين البيض والسود، المتعلقة بالعرق ودرجة الذكاء، والنوع الاجتماعي، ومعارك مجالس المدارس، والحملات ضد وجهات النظر النسوية، كاشفة كيف يتم - في كل حالة- خداع الرأي العام، واستهداف فئاتٍ محددةٍ من الأمريكيين، ومعاملتهم باعتبارهم "أعداء للدولة". وتبدأ "نويتز" من البداية، حيث تربط أولى خيوط الحرب النفسية بجذور أمريكا في مرحلة التأسيس. وتجادل بأن حروب الإبادة ضد الشعوب الأصلية كانت تعتمد - بشكل أساسي- على سرديات تسعى إلى تجريد الآخر من إنسانيته، وتصويره باعتبار أنه ليس كائنا بشريا، بل هو أقرب إلى "المسخ الإنساني". في تلك الأيام البعيدة، جرى بالتبعية تداول قصص "التحضّر" ومزاعم تفوق الجنس الأبيض في أوساط الرأي العام، واستُخدمت مناهج المدارس الداخلية والكتب، لتغيير "قصة" الهوية لدى السكان الأصليين، وزعزعة ثقتهم في أنفسهم، من أجل القضاء على ثقافتهم بشكل نهائي. وخلال الحرب الأهلية أيضا، تم استخدام المنشورات والخُطب لخلق "واقعيّن" مختلفيّن تماماً بين الطرفين المتحاربين، الشمال والجنوب. وهي فجوة سردية لا تزال آثارها باقية حتى هذه اللحظة. وقامت الحكومات الأمريكية المتعاقبة خلال القرن العشرين، بإضفاء الطابع المؤسسي على الحرب النفسية، من تأسيس وكالة المخابرات المركزية (CIA) التي لعبت دورا مهما في تمويل الفنون والآداب، مثل مجلة "شعر" الناطقة باللغة العربية في بيروت خلال خمسينيات القرن الماضي، ومجلة "إنكاونتر" وغيرهما، لنشر قصص تمجدّ الرأسمالية والديمقراطية الأمريكية في مواجهة السردية الشيوعية وقتها. وفي سياق التأثير على صناعة السينما العالمية، تحولت استديوهات "هوليوود" بوعي، أو بدون وعي من صُناع الأفلام، إلى مصانع لإنتاج القصص "الأسلحة" التي تُصدّر صورة البطل الأمريكي المُنقذ للعالم. وتضع هذا البطل في مكانة سامية غير مُستحقة غالباً! ويجري في وقتنا الحالي، عصر وسائل التواصل الاجتماعي، استخدام تكتيكات "الضجيج". فبدلاً من حجب المعلومات التي تلجأ إليها بعض الدول عبر الرقابة التقليدية، يعمد صُناع القصص الأمريكيون إلى إغراق الناس بـ "قصص متضاربة"، حتى يفقد الشخص القدرة على التمييز بين الحقيقة والخيال، وهو ما تسميه المؤلفة تقنية "الاستيلاء على الواقع". وبصفتها متخصصة في التكنولوجيا، تحلل "نويتز" كيف قامت منصات التواصل الاجتماعي الأمريكية بتحويل القصص المتداولة على هذه المنصات - لحظة بلحظة- إلى قذائف موجهة بدقة إلى طيف واسع من الرأي العام، سواء في داخل أمريكا أو خارجها. يتم ذلك عبر عدة تكتيكات أخرى، من بينها تكتيك "التفتيت السردي"، فالخوارزميات لا تهتم بالحقيقة، بل بـ "التفاعل". والقصص التي تثير الخوف أو الغضب، وهي الركائز الأساسية للحرب النفسية، هي التي تحقق أعلى انتشار جماهيري. ويأتي الجزء الأكثر إثارة للقلق في الكتاب، حين تشرح المؤلفة في أحد الفصول ما سمّته ظاهرة "الارتداد"، حيث بدأ استخدام التقنيات القصصية التي صُممت لمواجهة الأعداء في الخارج، مثل الاتحاد السوفييتي أو تنظيم "القاعدة"، للتأثير في المواطنين الأمريكيين أنفسهم. 
عالم السرديات المُزيفة
خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، ألّف العديد من المفكرين الأمريكيين البارزين كتبًا عن العمليات النفسية؛ كما كتب بعضهم روايات خيال علمي بأسماء مستعارة، كانت بمثابة دليل نظري لآليات عمل وكالات الاستخبارات الأمريكية. وبعد نحو 70 عاما من ذلك التاريخ، استُخدمت نفس التكتيكات التي غذّت الفكر العسكري حول الدعاية من قِبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة. خصوصا إدارة جورج بوش الابن، التي تبنت مشروع "كامبريدج أناليتيكا" للتأثير في الرأي العام بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. وهو مشروع اعتبر المراقبون المستقلون أنه يندرج بوضوح ضمن استخدام الأجهزة الأمريكية للأسلحة النفسية ضد المواطنين الأمريكيين، وهو تكتيك يُفترض أنه غير قانوني. وتشير المؤلفة، إلى أن الحرب النفسية هي سلاح يُفترض بنا شنّه ضد عدو أجنبي. ومن الأمور التي شهدناها في الولايات المتحدة، وخاصة في مطلع القرن الحادي العشرين، أن هذه البرامج بدأ تستهدف الأمريكيين أنفسهم، من خلال أشكال مختلفة. وإحدى طرق إقناع الناس بالانخراط في حرب ثقافية ضد مواطنيهم، هي القول بأن بعضهم ليسوا مواطنين حقيقيين. "الحرب النفسية"، هنا، تهدف إلى زرع بذور الشك في نفوس المواطنين الأمريكيين، أو تعزيز الكراهية، أو دفع الناس لاتخاذ قرارات ضد مصالحهم، وكل ذلك يتم عبر "قوالب قصصية" جذابة يجري صياغتها ببراعة لتحقيق هدف ما. وتستعين "نويتز" بعلم الأعصاب لشرح سر نجاح هذه الأسلحة في تحقيق أهدافها المُعلنة وغير المُعلنة، سواء لمصلحة الحركات المتطرفة أو المتحكمين في القرار الأمريكي، مشيرة إلى أن الدماغ البشري في عصرنا الراهن بات يفضّل القصص البسيطة (الشرير ضد البطل)، لأنها تستهلك طاقة ذهنية أقل من التحليل المعقد. وتستغل الحرب النفسية هذه "الثغرة البيولوجية" لبرمجة ردود أفعال عاطفية سريعة. وتُتيح التقنيات الحديثة التي يشهدها العالم يوما بعد يوم، أساليب جديدة للمحاربين في معترك هذه الحرب النفسية. فالذكاء الاصطناعي ينقل هذه الحرب إلى مرحلة "الواقع المُخصص"، من خلال الأتمتة السريعة، حيث تُصمم سرديات مُزيفة فائقة الدقة لزعزعة الواقع، مما يجعل القصص سلاحاً رقمياً مستقبلياً لا يقل خطورة عن الأسلحة العسكرية. في التحليل الأخير، فإن كتاب أنيلي نويتز هو رحلة تاريخية وتقنية تكشف لنا - بالوقائع- أننا لا نعيش في "عصر المعلومات" حسب التعبير الشائع، بل في "عصر حرب نفسية" مستمرة. وأن القوة في عالمنا اليوم ليست لمن يملك الحقيقة، بل لمن يملك القدرة على فرض "قصته" كواقع معاش. إنه كتاب يغيّر نظرتك لكل خبر تقرأه على مواقع التواصل، أو مقطع فيديو تشاهده على هاتفك.


