Skip to main content
وثنية السلع عند ماركس

وثنية السلع عند ماركس

June 7th, 2026

قد نظن، ونحن نعيش في ذروة العصر العلمي والتكنولوجي، أن البشرية قد تخلصت نهائياً من العبادات الوثنية القديمة، حيث كان الإنسان يصنع الصنم بيده ثم يخر له ساجداً. ولكن كارل ماركس يقدم لنا صدمة معرفية كبرى: الوثنية لم تختفِ، بل ارتدت حلة جديدة؛ لقد غادر الإنسان المعابد القديمة ليقيم طقوس عبادته في الأسواق التجارية وأمام شاشات الإعلانات، في ظاهرة فلسفية ونفسية معقدة تتمثل في "عبادة السلع".

يتناول ماركس التعبير الشامل لمفهوم الاغتراب من خلال تحليله لما يسمى بـ "صنمية السلعة". في العهود القديمة، كان الوثن هو نتاج العقل البشري واليد البشرية، ومع ذلك، كان الإنسان ينقل قواه الذاتية إلى هذا الشيء الميت، ويستعبده، ويقدم له الولاء والطاعة. وفي العالم المعاصر، يتكرر المشهد ذاته؛ فالإنسان ينتج الآلات والأشياء والأنظمة الاقتصادية، ثم يفقد السيطرة عليها، لتصبح هذه المنتجات قوى خارجية عمياء تتحكم في مصيره وتفرض قوانينها عليه.

يتجلى هذا الاغتراب الاستهلاكي في خلق رغبات وحاجات وهمية لا نهاية لها. يرى ماركس أن الإنتاج في ظل النظام السائد يبتكر حاجات مصطنعة لضمان استمرارية الربح، مما يجعل الإنسان خاضعاً لشهوات جديدة وغير طبيعية ومُهلكة. يصبح كل مُنتج جديد بمثابة إغراء خبيث يدفع الفرد إلى التضحية بكينونته من أجل الحصول عليه. وبدلاً من أن تكون الأشياء وسائل لخدمة الإنسان، يصبح الإنسان نفسه خادماً ذليلاً للأشياء، يتحدد وجوده، وعلاقاته، وحتى قيمته الذاتية بقدرته على الاستهلاك واقتناء سلع غالباً ما لا يملك حاجة حقيقية لها.

على النقيض من هذه النظرة التشاؤمية، يرى بعض مفكري ما بعد الحداثة (وعلى رأسهم جان بودريار) أن استهلاك السلع لم يعد مجرد عملية "اغتراب" خاضعة لسيطرة الإنتاج. يجادل بودريار بأن الاستهلاك في المجتمعات المعاصرة هو نظام للتواصل الاجتماعي ولغة لتبادل العلامات والرموز (Semiotics). الفرد هنا لا يُستلب أمام السلعة، بل يستخدمها كأداة لبناء هويته وتموضعه الثقافي ضمن شبكة العلاقات المجتمعية. وفي سياق آخر، يؤكد الفكر النيوليبرالي أن تنوع السلع وخلق حاجات جديدة هو الدليل الأسمى على اتساع مساحة حرية الاختيار الإنساني، وليس قيداً وثنياً عليه.

إن نقد ماركس لوثنية الاستهلاك يضرب في الصميم أزمة الإنسان المعاصر. ففي كل مرة نلهث فيها خلف منتج استهلاكي جديد، نعيد إنتاج علاقة وثنية طوعية نضع فيها أرواحنا الحية تحت رحمة أشياء ميتة، لنكتشف في النهاية أننا لم نشترِ السلعة، بل السلعة هي التي ابتاعتنا.

(المصدر | سالم يفوت)

Share this article on...

Comments

No comments yet. Be the first to comment!