في عالم يتغيّر بإيقاع متسارع، حيث تتقاطع الأزمات المالية مع التحولات التكنولوجية، وتتشابك فيه السياسات النقدية مع رهانات الجغرافيا السياسية،
لم يعد الاقتصاد علمًا تقنيًا محضًا، بل صار لغة لفهم العالم، وأداة لإعادة تفسير الواقع، بل وحتى ساحة للصراع الفكري. وفي هذا السياق المضطرب، تأتي الإصدارات العربية في مجال الاقتصاد لعام 2026 لتعلن بوضوح أن الفكر الاقتصادي العربي بدأ يتحرر تدريجيًا من موقع التلقي، متجهًا نحو إنتاج معرفة أكثر استقلالًا، وأكثر التصاقًا بالواقع المحلي، دون أن تنفصل عن الأسئلة الكونية الكبرى. 
مساءلة الأسس
هذا التحول لا يظهر فقط في أسعار البترول والدول المرتبطة به بل يتجلى أيضًا في طبيعة المقاربات؛ إذ لم تعد الكتب الاقتصادية العربية تكتفي بعرض النظريات أو تبسيط المفاهيم، بل أصبحت تنخرط في مساءلة الأسس التي يقوم عليها هذا العلم ذاته. ومن هنا، يمكن النظر إلى كتاب "فلسفة علم الاقتصاد" للمفكر جلال أمين بوصفه نقطة انطلاق دالة في هذا المسار. فالكتاب لا يتعامل مع الاقتصاد كمنظومة محايدة من القوانين، بل يكشف عن بنيته الفكرية العميقة، ويضعه في سياقه التاريخي والأيديولوجي، متسائلًا عن طبيعة المفاهيم التي نستخدمها دون مساءلة، من قبيل السوق، والنمو، والكفاءة. 
يبرز هنا سؤال هام لماذا هناك الكثير من اللامساواة؟ ولماذا تكون النظريات الاقتصادية جزءاً من المشكلات بدلاً من الحلول؟
في إجاباته عن أسئلة ابنته، يستخدم الاقتصادي العالمي يانيس فاروفاكيس قصصاً شخصية وأساطير مشهورة ليشرح لماذا يشكّل الاقتصاد الدراما الأكثر أهمية في عصرنا، ولماذا له القدرة على تغيير عالمنا.
يلهم هذا الكتاب القراءَ للاهتمام بالأفكار والعمليات الاقتصادية عبر الكشف أنها القوة التي تسيطر على معتقداتنا وطموحاتنا. ويروي كيف ظهرت القوة الاقتصادية من ظلال القوة السياسية والعسكرية ربما قبل أن تسيطر تدريجياً على المجتمعات الإنسانية. ويجمع الكتاب بين التاريخ والأدب والأفلام العلمية الخيالية والتحليل الاقتصادي الواقعي.



وإذا كان هذا الانتقال من النقد الفلسفي إلى التحليل التكنولوجي يبدو للوهلة الأولى قفزة واسعة، فإن العودة إلى التأصيل الأكاديمي تمنح المشهد قدرًا من التوازن. ففي كتاب "مبادئ علم الاقتصاد" لطارق محمود عبد السلام، نجد محاولة لإعادة بناء المعرفة الاقتصادية على أسس منهجية راسخة، تستوعب التراث الكلاسيكي وتدمجه مع التحولات الحديثة. وهنا، لا يبدو هذا العمل مجرد كتاب تعليمي، بل يمثل جسرًا بين الأجيال، يربط بين الاقتصاد بوصفه علمًا أكاديميًا منضبطًا، والاقتصاد بوصفه مجالًا حيًا يتغير باستمرار. ومن هذا الجسر الأكاديمي، يبرز اتجاه آخر لا يقل أهمية، يتمثل في البحث عن نماذج بديلة داخل الإطار الاقتصادي ذاته. ويأتي كتاب "الصكوك الإسلامية والسياسات المالية" لمحمد عوض رضوان ليعكس هذا التوجه بوضوح، حيث يحاول إعادة قراءة أدوات التمويل الإسلامي في ضوء التحديات المعاصرة. ولا يقتصر الأمر هنا على استعادة نماذج تقليدية، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة تكييفها مع واقع اقتصادي معقد، بما يطرح سؤالًا أعمق حول إمكانية بناء نظام مالي مختلف، أو على الأقل أكثر تنوعًا. 
لكن مؤلفو كتاب 100 مفكر في علم الاقتصاد كان لهم وجهة نظر أخرى في عالم الاقتصاد المتغير على مدى اللحظة؛ فكتاب "100 مفكر في علم الاقتصاد" يعرض لأفكار مائة من أبرز المفكرين والمساهمين في بروز الاقتصاد بوصفه علمًا وقد شارك في تأليف هذا الكتاب نخبة من أهم الباحثين والدارسين في فرنسا وأوروبا.

الخلاصة :
في المحصلة، تكشف كتب الاقتصاد العربية في 2026 عن لحظة فكرية غنية، تتسم بالتعدد والانفتاح، وتجمع بين النقد والتحليل، بين النظرية والتطبيق، وبين المحلي والعالمي. وهي، في هذا كله، لا تقدم أجوبة نهائية بقدر ما تعيد ترتيب الأسئلة، وتدفع القارئ إلى التفكير في الاقتصاد بوصفه أكثر من مجرد أرقام ومؤشرات؛ بوصفه، في جوهره، تعبيرًا عن كيفية تنظيم الحياة ذاتها.
القدرة على التفاعل
ولعل القيمة الأهم لهذه الإصدارات لا تكمن فقط في محتواها، بل في دلالتها الأوسع، إذ تشير إلى بداية تشكل وعي اقتصادي عربي أكثر استقلالًا، وأكثر قدرة على التفاعل مع العالم من موقع الفاعل لا المتلقي. وفي زمن تتزايد فيه التحديات، قد يكون هذا الوعي هو الخطوة الأولى نحو بناء مستقبل اقتصادي أكثر توازنًا وعدالة.


